فخر الدين الرازي

247

تفسير الرازي

الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه الأول : أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين ، قال الله تعالى : * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ) * ( الفرقان : 63 ) وقال : * ( عيناً يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) وقال : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ( الحجر : 42 ) فعلى هذا التقدير قوله : * ( ولا يرضى لعباده الكفر ) * ولا يرضى للمؤمنين الكفر ، وذلك لا يضرنا الثاني : أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنا برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله ، قال الله تعالى : * ( لقد رضي الله عن المؤمنين ) * ( الفتح : 18 ) أي يمدحهم ويثني عليهم الثالث : كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول : الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض ، وليس عبارة عن الإرادة ، والديل عليه قول ابن دريد : رضيت قسراً وعلى القسر رضا من كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع : هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله : * ( ولا يرضى لعباده الكفر ) * عام ، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى : * ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) * ( الإنسان : 30 ) والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وإن تشكروا يرضه لكم ) * والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلف القراء في هاء * ( يرضه ) * على ثلاثة أوجه أحدها : قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة وثانيها : قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف وثالثها : قرأ نافع في بعض الروايات ابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة ، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واواً ، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله ، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه ، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو ، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا ههنا . المسألة الثانية : الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم . ثم قال تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على فعل غيره ، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه ، وأيضاً لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء ، بخلاف ما يقول القوم . واحتج أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية . ثم قال تعالى : * ( ثم إلى ربكم مرجعكم ) * واعلم أنا ذكرنا كثيراً أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان ، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية ، وأن يعرف أحواله بعد الموت ، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال